"نعم .. يحدث أن أضربها.. إنه أمر عادي يحصل في كل البيوت " كانت عبارته واضحة ولا لبس فيها، ولا إنكار، ولا استنكا...

"نعم .. يحدث أن أضربها.. إنه أمر عادي يحصل في كل البيوت "
كانت عبارته واضحة ولا لبس فيها، ولا إنكار، ولا استنكار، ولا محاولة لتمويه الواقع أوالتظاهر بغيره.
وقد احترمت فيه تلك الشجاعة، لكني صعقت من وصفه عملية ضرب الزوجة، أم الأولاد، بأنها "أمر عادي"
كنا مجموعه رجال في جلسة هادئة، ولا أدري كيف انفتحت هذه السيرة، فإذا بي أنسى أنني بين أصحابي ورفاق مسيرتي،
وإذا بالصحافي الساكن تحت جلدي يستيقظ من مكمنه، على الرغم من أننا كنا خارج أوقات العمل في الصحيفة.
طرحت عليهم سؤالاً واحداً،وطلبت من كل واحد منهم أن يجيبني على حدى، وكانت النتيجة أن خمسة من ستة اعترفوا بأنهم
ضربوا امرأة، سواء أكانت الزوجة أم غيرها، على الأقل مرة واحده. ولن أقول إن النتيجة أصابتني بالمفاجأة، فأنا أعتبر
العلاقة بين الجنسين قارة شاسعة، من التعاطف والود والحنان، وأيضاً من الصراع والتسلط وحب الامتلاك.
وفي قارة مثل هذه، حميمة متناقضة، فإن كل الضربات ممكنة، فوق الحزام وتحت الحزام.
قال أحدهم إن الرجل لا يضرب المرآة إلا إذا استفزته استفزازاً قوياً،يجعله يفقد صوابه ويرفع كفه عليها.
وسرعان ما أيده الآخرون وقالوا
إن المرآة هي السبب في اعتداء زوجها عليها،خصوصاً إذا كانت نكدية ولا تتقن فنون المسايرة والطاعة
. ولما قلت لهم إن
هناك أزواجاً نكديين، ورجالاً يرتكبون كل ما من شأنه أن يثير أعصاب الزوجة،فلماذا لا ترفع المرآة يدها على الرجل
ردوا باستنكار واستهزاء،.... أنهم سيقطعون تلك اليد.
هي، إذن علاقة قوة ، وشئ أشبه بشريعة الغابات، حيث البقاء للأقوى.
أنت قوي، إذن أنت قادر على ضربي لأنني الأضعف.
أو أنا أقوى منك إذن يحق لي أن أضربك ولا يحق لها ذلك
، لأنني سأقطع لك يدك، وقد أرسلك إلى بيت أبيك أحلف عليك يمين الطلاق.
صديقي الذي تعامل مع قضية الضرب وكأنها هواية رياضية عادية، أضاف أن النساء يحببن ذلك، وقال
إن زوجته تعتبر ضربه لها نوعاً من الغيرة عليها، ودليلاً على المحبة والتعلق.
قال أيضا إن هناك نساء لا ينمن قريرات العين إلا بعد علقة ساخنة. إن هذه الفكرة مخيفه في مضمونها.
لأن تحويل الضرب إلى مجرد مشاكسات عاطفية، هو أشبه بتزويق حقيقة مؤلمة تتسبب في كسور وجروح و رضوض، بل
عاهات مستديمة، لملايين النساء في العالم.
وهناك من تفقد حياتها بين يدي رجل عنيف يوجه قبضته بشكل عشوائي، أو يرمي بالقنينة في وجه الزوجة،
أو يركل الرضع وكأنهم كرة ...
العنف ليس مزحه.
هذا ما حاولت أن أقوله لأصدقائي، لكنني كنت مربوط اللسان، وكأن هناك سكين يخزني في خاصرتي.
فأنا نفسي ضربتها في لحظة غضب أعمى، ولما أفقت بعد ثوانٍٍ دخلت الحمام وأقفلت الباب على نفسي وبكيت.
بكيتُ ولم تبكِ هي.
لأنها جلست منهارة على الأرض كمن أصابتها هزة أرضية في داخل شرايينها.
كانت لا تصدق ما بدر مني، ولا ما تعرضت له.
هل يتمخض كل ذلك الحب الأسطوري ويلد عنفاً؟
بهدوء، وبعينين مغمضتين، رويت لرفاقي تلك الحادثة.
لقد استغرقتنا حمى الاعتراف، فكشفنا أسراراً لا يجوز أن تخرج إلى ما وراء جدران المخادع والبيوت.
لكننا كنا في جلسة استثنائية نعرف أنها لم تحصل من قبل ولن تتكرر في ما بعد.
وقد ذهِل أصدقائي من كلامي، لأنهم كانوا يتصورون أن رجلاً مثلي، يحترم المرأة، لا يمكنه أن يضربها ولا بورده.
الوحيد بيننا، "البريء" من التهمة كان رفيقنا الذي لم يتزوج.
لكنه قال بأسى إنه طالما بكى بصمت، وهو طفل عندما كان يرى أباه يضرب أمه.
ثم أضاف:" مع هذا ، فلا أظن أن رجلاً أحب امرأة واحترمها ودللها، كما فعل أبي مع والدتي.
إن الضرب خارج عن الإرادة".
خارج الإرادة؟
لكنه ليس خارج هذا الوعي الذي لابد من هزه وتثقيفه، لكي يفهم أن العنف ضد النساء أمر مكروه،
وأن نبينا أوصى بالرفق بالقوارير.m
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق